ابن خلدون
141
رحلة ابن خلدون
فهزمهم ، وأثخن فيهم . ونهض السّلطان إليه من فاس ، سنة ثمان وخمسين ، فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه ، فبعثه إلى سبتة في البحر ، واعتقله بها ، حتى إذا ملك السّلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستّين ، أطلقه من الاعتقال ، وصحبه إلى دار ملكه ، ووعده بردّ بلده عليه . فلما ولّى أبا زيّان على تلمسان ، أشار عليه خاصّته ونصحاؤه ، بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم : فبعث أبا عبد الله إلى بجاية ، وقد كان ملكها عمّه أبو إسحق صاحب تونس ، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين ، وبعث أبا العبّاس إلى قسنطينة ، وبها زعيم من زعماء بني مرين . وكتب إليه السّلطان أبو سالم أن يفرج له عنها ، فملكها لوقته . وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية ، فطال إجلابه عليها ، ومعاودته حصارها . ولجّ « 339 » أهلها في الامتناع منه مع السّلطان أبي إسحق . وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم . وتولّيت كبر « 340 » ذلك مع خاصّة السّلطان أبي سالم وكبار أهل مجلسه ، حتى تمّ القصد من ذلك . وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطّه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه ، ومعنى الحجابة - في دولنا بالمغرب - الاستقلال بالدولة ، والوساطة بين السّلطان وبين أهل دولته ، لا يشاركه في ذلك أحد . وكان لي أخ اسمه يحيى « 341 » أصغر مني ، فبعثته مع الأمير أبي عبد الله حافظا للرّسم ، ورجعت مع السّلطان إلى فاس . ثم كان ما قدّمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها ، إلى أن تنكّر الوزير ابن الخطيب ، وأظلم الجوّ بيني وبينه . وبينا نحن في ذلك ، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يد عمّه ، في رمضان ( سنة ) « 342 » خمس وستين ، وكتب الأمير أبو عبد الله يستقدمني ،
--> ( 339 ) لجّ : تمادى في الخصومة . ( 340 ) الكبر : معظم الشيء ، والشرف . ( 341 ) قتل يحيى بن خلدون هذا في سنة 780 ، بأمر أبي تاشفين بن أبي زيان ؛ وكان مؤرخا ، وأديبا ؛ ويأتي في كلام ابن الخطيب ثناء على كتابته الأدبية . له كتاب « بغية الرواد ، في أخبار بني عبد الواد » . وانظر خبر مقتله في العبر 7 / 140 . ( 342 ) الزيادة عن ط .